لقد أدى استقرار ترامب في البيت الأبيض إلى مواجهة الساحة الدولية بظروف غير متوقعة وصادمة، على الأقل بالنسبة لقادة القارة الأوروبية وزيلينسكي وغيرهم من السياسيين العالميين والمنتديات الدولية. وفي هذا السياق، يبدو أن السيد بوتين، مستفيدًا من هذه التطورات الجديدة، يسعى في مشروع مدروس للتخلص من حرب أوكرانيا. وفي هذا السياق، عقد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قبل مكالمة هاتفية مع ترامب، اجتماعًا لمجلس الأمن القومي في بلاده لدراسة أبعاد الاتصال بالرئيس الأمريكي بشكل شامل. ونتيجة لذلك، اتفق الطرفان خلال مكالمة هاتفية استمرت 90 دقيقة في الأسبوع الماضي على بدء مفاوضات لإنهاء الحرب في أوكرانيا.
ووفقًا لمسؤولين في الكرملين، جرت أول محادثة رسمية بين الزعيمين في 12 فبراير 2025 واستمرت حوالي ساعة ونصف. وقد ناقش بوتين وترامب في هذا الاتصال الهاتفي العلاقات الثنائية والحرب في أوكرانيا، وأصدرا بعد ذلك أوامر بتشكيل مجموعات عمل للتفاوض من أجل تسوية سلمية للنزاع. وقد جرت هذه المحادثة بعد ثلاث سنوات بالضبط من محادثة بوتين مع الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، قبل أسبوعين من بدء الحرب. وبعد هذه المحادثة، التقى ممثلون رفيعو المستوى من الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا على مستويات مختلفة في أوروبا والمملكة العربية السعودية وأجروا محادثات.
في ظل الظروف الجديدة، يتركز القلق الأكبر على أوروبا وأوكرانيا، اللتين لا تلعبان دورًا في المراحل الأولية من مفاوضات إنهاء الحرب. ويخشى المسؤولون الأوروبيون من أن يجبر ترامب أوروبا، بعد انتهاء الحرب، على ضمان أمن أوكرانيا وإعادة إعمارها بمفردها وإرسال قوات إلى منطقة الصراع لضمان الالتزام باتفاقية السلام؛ وهو الأمر الذي أدى إلى عدم تخصيص الأمريكيين دور كبير لأوروبا في القضايا الجيوسياسية الهامة المتعلقة بالحرب. وفي هذا الصدد، يعتقد مسؤولو الاتحاد الأوروبي أن هذا سيكون اختبارًا حقيقيًا للوحدة، لأن ترامب يعرف أوروبا بشكل أساسي من منظور الموارد المالية. ومع ذلك، أعلنت ست دول أوروبية، بما في ذلك ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، أنها مستعدة لزيادة دعمها لأوكرانيا وأكدت التزامها بالدفاع عن "استقلال وسيادة ووحدة أراضي هذا البلد في مواجهة الحرب العدوانية الروسية". وفي بيان مشترك، شمل المفوضية الأوروبية أيضًا، أشير إلى أن المسؤولين الأوروبيين يريدون مناقشة الخطوات التالية مع حلفائهم الأمريكيين، ويجب أن تشارك أوكرانيا وأوروبا في أي مفاوضات.
تواجه أوروبا في المرحلة الجديدة مشاكل داخلية ومواقف مؤيدة لروسيا من بعض الدول. ويجري تنسيق استراتيجية القادة الأوروبيين لتجنب حق النقض (الفيتو) المجري، والسعي لإكمال تزويد أوكرانيا بالأسلحة من قبل مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد، كايا كالاس، رئيسة وزراء إستونيا السابقة، ويهدف ذلك إلى ما هو أبعد من التزامات أوروبا السابقة بتقديم المساعدة العسكرية. وقد أكد دبلوماسيون أنه نظرًا لمعارضة بعض الدول، وخاصة المجر، فمن المرجح أن تكون هذه المساعدات، التي لا تزال قيد التفاوض، في شكل مساهمات مشتركة من قبل كل دولة عضو على حدة بدلاً من حزمة رسمية من الاتحاد الأوروبي. وتجري هذه المفاوضات في الوقت الذي يستعد فيه مسؤولون وقادة الاتحاد الأوروبي لرحلة جماعية إلى كييف، في الذكرى السنوية الثالثة للغزو الروسي الشامل لأوكرانيا. وبينما يستعد رؤساء المؤسسات الرئيسية في الاتحاد الأوروبي وقادة إسبانيا ودول شمال أوروبا ودول البلطيق للسفر إلى كييف، فسيكونون على اتصال وثيق بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، اللذين سيتوجهان إلى واشنطن للقاء ترامب. وستكون زيارة ماكرون فرصة له لتبادل نتائج أسبوع من المشاورات مع الحلفاء الآخرين بشأن أوكرانيا ومحاولة فهم موقف إدارة ترامب بشكل أفضل.
وقد تركزت دبلوماسية الكرملين على التطورات في سوريا أيضًا، وقد أجرى السيد بوتين محادثة هاتفية مع الجولاني أيضًا. ونتيجة لهذه المحادثة، شهدنا تحركات في العلاقات بين دمشق والكرملين؛ بما في ذلك تثبيت القواعد الروسية في سوريا مقابل إرسال مساعدات مالية، وخاصة النقدية. وفي هذا السياق، قام محمد رضا رؤوف شيباني، الممثل الخاص لوزير خارجية بلادنا لشؤون سوريا، بزيارة إلى موسكو التقى خلالها بلافْرينتيف، الممثل الخاص لرئيس الاتحاد الروسي لشؤون الشرق الأوسط والدول الأفريقية، وكذلك ميخائيل بوغدانوف، نائب وزير الخارجية في هذا البلد، وتشاور بشأن آخر التطورات في منطقة غرب آسيا، وخاصة سوريا. وقد أكد الطرفان خلال هذا اللقاء، مع التأكيد على احترامهما والتزامهما الراسخين بوحدة وسيادة وسلامة أراضي سوريا، على أهمية الجهود الدولية الرامية إلى إرساء الاستقرار في هذا البلد على أساس المبدأ المذكور.
كما أوضح الطرفان اعتقادهما بأن القضايا الداخلية في سوريا يجب أن تحل من قبل الأطراف السورية ومن خلال إجراء حوار شامل بمشاركة جميع التيارات السياسية والعرقية والدينية.
إجمالاً، يتبع ترامب، بنهج مفرط، مطالب قصوى من مثلث أوكرانيا (الوصول إلى المعادن الأرضية النادرة) وأوروبا (زيادة الإنفاق العسكري) وروسيا (المصالحة في القضايا العالمية الهامة وغرب آسيا والصين وغيرها). لكن تحقيق حل شامل للأزمة الأوكرانية دون معالجة المخاوف وكسب رضا ومشاركة القارة الأوروبية أمر غير ممكن، وسيكون بلا شك سلامًا مفروضًا هشًا، وستواصل أوروبا الضغوط العقابية والاقتصادية على روسيا؛ وهو أمر لا يرضي موسكو كثيرًا. ومما لا شك فيه، وكما كان متوقعًا منذ الذكرى السنوية الأولى لهذا النزاع، فإن مصير مثل هذه النزاعات الغامضة يُحدد على طاولات القوى الكبرى بتحديد وتنظيم الضحايا، وكانت أوكرانيا الخيار الرئيسي من بين الضحايا، ويجب الانتظار لمعرفة الضحايا التاليين.
علي بمان إقبالي زارج، مدير مجموعة أوراسيا
"إن المعلومات والآراء الواردة تمثل آراء المؤلفین ولا تعکس وجهة نظر مرکز الدراسات السیاسیة والدولیة"