Ar

En

Fa


أوروبا والساحة الدولیة على أعتاب ما بعد میرکل

عندما أنجیلا میرکل طفلة سافرت مع والدها الکاهن إلى ألمانیا الشرقیة وواجهت وقتًا عصیبًا بالقرب من الأطفال ذوی الإعاقة بالقرب من کنیسة والدها، أو عندما عملت فی مختبر کیمیائی لسنوات عدیدة، لم تصدق أبدًا أنها فی العقدین الأولین من الألفیة الثالثة ستصبح المرأة الأکثر نفوذاً فی العالم وفی أوروبا.
صفر 1443
علی‏ بمان اقبالی زارتش

عندما أنجیلا میرکل طفلة سافرت مع والدها الکاهن إلى ألمانیا الشرقیة وواجهت وقتًا عصیبًا بالقرب من الأطفال ذوی الإعاقة بالقرب من کنیسة والدها، أو عندما عملت فی مختبر کیمیائی لسنوات عدیدة، لم تصدق أبدًا أنها فی العقدین الأولین من الألفیة الثالثة ستصبح المرأة الأکثر نفوذاً فی العالم وفی أوروبا. لقد تحدثت إلى بوتین مرارًا وتکرارًا فی موسکو بلغة "روسیة بطلاقة" تامة، وقد سافرت إلى الصین 12 مرة کمستشار و عاصرت أربع رؤساء أمریکیین. فی شبابها، لم تکن مهتمة جدًا بالسیاسة ورکزت أکثر على مهنة الکیمیاء المهنیة، ولکن بالصدفة دخلت السیاسة وسرعان ما وصلت إلى الوزارة وفی وقت قصیر تمکنت من الوصول إلى منصب المستشار.

أدت سلسلة من الأحداث الدولیة الحلوة والمرة إلى الاعتقاد بأن أوروبا ما بعد الشیوعیة رکزت على انتشار الدیمقراطیة الغربیة، والتقدم الحتمی، والتقارب الأوروبی، والقرب من روسیا فی نظام أمنی أوروبی، ونجاح اقتصاد السوق وعملیة التحول الصین، قادت العالم إلى نظام متعدد الأطراف قائم على سیادة القانون. بعد انهیار الاتحاد السوفیتی، حاولت السیاسة الخارجیة الألمانیة بأشکال مختلفة ومتغیرة أحیانًا تحقیق التوازن بین التفاعل مع روسیا والتعاون مع دول أوروبا الشرقیة. لکن ضم شبه جزیرة القرم والحرب فی أوکرانیا شکَلا تغییرات کبیرة، وعلى الرغم من استمرار ألمانیا فی التعامل مع روسیا لحل الأزمة، وعلى الرغم من المشاریع المشترکة مثل نورث ستریم، فقد تحرکت السیاسة الخارجیة الألمانیة بوضوح نحو التضامن والدعم لشرق القارة الخضراء، حیث تعد ألمانیا الیوم أهم مستثمر وشریک تجاری لهذه الدول.

کانت رئاسة ترامب عاملاً مهمًا آخر فی اکتساب الخبرة لأوروبا، مما قوض الناتو وضماناته الأمنیة الواسعة، وهذا یؤکد الأحادیة الأمریکیة ویجب أن یُنظر إلیه على أنه دعوة للاستیقاظ، وعلامة على تغییر أوسع وأکثر استمرارًا، وإعادة توجیه واشنطن نحو آسیا والمحیط الهادئ ومصالحها الوطنیة. إن حقیقة أن إدارة بایدن واصلت قرارها بمغادرة أفغانستان هی مجرد مثال جدید، والنتیجة التی أکدتها المستشارة میرکل هی أن على الأوروبیین (وبالطبع الألمان) إلى زیادة الترکیز على أمنهم. فی هذا الصدد، یرغب العدید من السیاسیین الألمان فی تعزیز السیاسة الخارجیة والأمنیة للاتحاد الأوروبی. على مدى 30 عامًا، على الرغم من التقدم المحرز فی الاتفاقات اللاحقة، ظلت قدرات الاتحاد الأوروبی‌هامشیة فی مواجهة التحدیات وما زالت تقتصر إلى حد کبیر على البعثات الصغیرة والمتوسطة الحجم خارج أوروبا.

یثیر بریکست أیضًا التساؤل حول ما إذا کان الاتحاد الأوروبی هو الإطار الصحیح لتنظیم دعامة أقوى للأمن والدفاع فی أوروبا. لا ینبغی النظر فی أی من هذه القضایا بمعزل عن غیرها. بشکل عام، على الرغم من أن مجموعة من السیاسیین فی القارة الخضراء یسعون للحصول على حکم ذاتی استراتیجی، حالیًا "لا یوجد بدیل لحلف شمال الأطلسی فی الأمن الأوروبی". لکن من المرجح أن تتقلب العلاقات مع واشنطن، وسیرغب الألمان، وکذلک الأوروبیون الآخرون، فی التخطیط والتوازن حول کیفیة تحقیق التوازن والتفاعل مع الولایات المتحدة من خلال شراکتهم. بالطبع، بالنسبة لألمانیا، کما هو الحال فی أجزاء أخرى من الاتحاد الأوروبی، تظل العدید من الأسئلة بدون إجابة، مما یعنی أن السیاسة الخارجیة الناجحة لیست سیاسة تعمل ببساطة على تعظیم مصالحها لصالح ألمانیا، ولکنها سیاسة یمکن للاتحاد الأوروبی أن یشجعها على التسویة والعمل المشترک.

بالنظر إلى الشرق، وخاصة روسیا، یجب القول إن السیاسة الخارجیة الألمانیة یجب أن توازن بین المتطلبات الأساسیة الثلاثة. المسألة الأولى هی دعم حلفائنا وشرکائنا والثقة بهم فی شرق ووسط أوروبا. القضیة الثانیة هی الحفاظ على مستوى التعامل مع روسیا لمنع تصعید الصراع، والمسألة الثالثة تتعلق بالسیاسات التی یمکن دعمها بشکل مشترک من قبل جمیع الشرکاء فی الاتحاد الأوروبی والاتحاد الأوروبی الأطلسی، والتی بدونها أی سیاسة وطنیة بحتة ستفقد فعالیتها. یُعد برنامج نورد ستریم مثالًا، من ناحیة، کان من الصعب على الولایات المتحدة وبعض الدول الأوروبیة استیعابه، ومن ناحیة أخرى، یُظهر مدى اختلاف التصورات، أولاً، یجب وصف وجهات النظر الألمانیة دون ادعاء وصف المشکلات الموضوعیة والاستدلال العقلی.

ذهب الألمان إلى صنادیق الاقتراع لترشیح أعضاء جدد فی البوندستاغ فی 26 سبتمبر، وحقق الحزب المنافس للمستشارة فوزًا ساحقًا بعد 20 عامًا، نتیجة لذلک، ستتقاعد أنجیلا میرکل بعد 30 عامًا فی السیاسة الألمانیة والأوروبیة وأربع فترات فی المستشاریة. بدأت الحیاة السیاسیة لمیرکل فی عام 1991، عندما أصبحت وزیرة الأسرة والمرأة والشباب فی ألمانیا، وخلفت المستشار الألمانی السابق هیلموت کول وجیرهارد شرودر قائد الحزب الاشتراکی الدیمقراطی (SPD) بین عامی 1982 و 1998. وکانت میرکل أول امرأة وأول مواطن فی جمهوریة ألمانیا الدیمقراطیة تصل إلى هذا المنصب.

فی السیاسة الخارجیة بشکل عام، أظهرت میرکل نفسها من خلال مواقف محدودة نسبیًا ومواقف براغماتیة تخدم الاستقرار السیاسی والاقتصادی ومصالح ألمانیا والاتحاد الأوروبی، وساعد مبدأ عدم الرغبة فی الانخراط فی الصراع والطریقة المنهجیة والفعالة التی تمکن من خلالها من حل الأزمات العدیدة التی نشأت خلال فترة ولایتها على زیادة شعبیة المستشار، لکن البعض یعتقد بشکل متناقض أن نفس السمات اجتذبت معظم الانتقادات ، لا سیما المعاملة المتساهلة للحکومات الاستبدادیة فی المجر أو بولندا ، وما إلى ذلک. وقد أُلقی علیها اللوم بشکل خاص بسبب تسامحها مع تصرفات روسیا فی السنوات الأخیرة، وعدم قدرتها على اتخاذ موقف متشدد وفرض عقوبات على بوتین لانتهاکه سیادة الدول المجاورة وأخیرًا ، فی الأزمة الجدیدة، Covid-19 استغرقت أنجیلا میرکل وقتًا طویلاً لاستعادة بعض شعبیتها المفقودة، وأکدت على الحاجة إلى إیجاد حلول عملیة للمشاکل الحادة، ودعمت المفوضیة الأوروبیة فی تمویل صندوق الاتحاد الأوروبی للحمایة من الأوبئة.

باختصار، حاولت میرکل، خلال 16 عامًا فی المنصب، موازنة تفاعلات ألمانیا مع المثلث الأمریکی الروسی الصینی بسمات شخصیة مثل الصبر والقدرة العالیة على الحوار والاستماع لخطابات الجمهور والمعارضة وخاصة روح العمل الجاد والطابع البیولوجی والإنسانی البسیط (مثال واضح هو استقبال الملیون اللاجئون السوریون عام 2015، لقد ترکت سجلاً رائعًا ومن ناحیة أخرى الانتصار النسبی للدیمقراطیین الاشتراکیین فی الانتخابات وإذا تم انتخاب السید شولتز، یجب ألا نتوقع تغییرات جوهریة فی السیاسة الخارجیة للمحرک الاقتصادی الأوروبی فی التفاعلات مع المحور الأوروبی الأطلسی وشرق آسیا وأجزاء أخرى من العالم، باستثناء التعزیز النسبی للمیل نحو موسکو.

 

دکتر علی بمان اقبالی زارتش، خبیر الآول فی الدراسات الأوروبیة

متن دیدگاه
نظرات کاربران
تاکنون نظری ثبت نشده است