Ar

En

Fa


التغییر والإستمراریة: تراث ترامب وسیاسة بایدن الصینیة

منذ وصول ترامب إلى السلطة، أصبحت المنافسة بین الولایات المتحدة والصین نقطة محوریة فی العلاقات الدولیة، وأصبح هذا التحول قضیة استراتیجیة وقضیة عالمیة، لیس فقط فی الصین والولایات المتحدة. فقد شکّلت دینامیکیات سیاسیة وعسکریة واقتصادیة حقیقیة حول العالم.
ربيع الثاني 1442
مهدی زاده علی

منذ وصول ترامب إلى السلطة، أصبحت المنافسة بین الولایات المتحدة والصین نقطة محوریة فی العلاقات الدولیة، وأصبح هذا التحول قضیة استراتیجیة وقضیة عالمیة، لیس فقط فی الصین والولایات المتحدة. فقد شکّلت دینامیکیات سیاسیة وعسکریة واقتصادیة حقیقیة حول العالم. دفع هذا الإرث بعض المحللین إلى النظر ببساطة إلى الإنتخابات الرئاسیة الأمریکیة لعام 2020 کعنصر تحویلی فی الألعاب الإستراتیجیة العالمیة. لکن على الرغم من بعض الحجج التی تزعم أنّ بکین تفضّل الرئیس المنتخب جو بایدن على ترامب، هناک مخاوف کثیرة فی بکین بشأن سیاسة واشنطن الجدیدة تجاه الصین.

إدارة ترامب وبصفته رئیسًا، شکّل تحدیًا خطیرًا لعلاقة الصین مع الولایات المتحدة، هذا شیئ لا یمکن إنکاره. فهو الذی بدأ الحرب التی لا نهایة لها مع التعریفات التجاریة واستهدف صورة الصین الدولیة من خلال تحمیل الصین مسؤولیة عولمة فیروس کورونا. إدارة ترامب إتّبعت نهجًا مشابهًا تجاه الصین، حیث سلطت الضوء على النزاعات البحریة فی بحر الصین الجنوبی، مع الترکیز على القضایا الداخلیة للصین مثل هونغ کونغ وتایوان وشینجیانغ، والإهتمام بانتهاکات حقوق الإنسان فی الصین فی المؤسسات الدولیة ووسائل الإعلام. کانت هذه المجموعات کلّها جزءًا من سیاسة الحکومة المعادیة للصین. وکانت النتیجة المباشرة لهذه السیاسة أنّ العلاقات الصینیة الأمریکیة دخلت فی معضلة سیاسیة/إقتصادیة، مما أدّى إلى تدمیر الثقة الإستراتیجیة المتبادلة، وتعلیق العلاقات بین قادة البلدین، وفی بعض مجالات التعاون المتبادل. لکن هذه لیست القصة الکاملة لترامب والصین.

فی وقت کانت الصین تعانی من سیاسة ترامب العدوانیة، فإنّ طبیعة سیاسة ترامب الخارجیة أعطت الصین فرصة فریدة. من ناحیة، على عکس استراتیجیة أوباما للسفر إلى آسیا لم تحدد إدارة ترامب الصین کقوة إقلیمیة، بل کقوة دولیة صاعدة، وعلى المستوى الدولی، الولایات المتحدة. لقد أصبح تحدی الصین أن تدفعها للوراء. من ناحیة أخرى، فی صمیم استراتیجیة أمریکا الأولى، کان هناک تحولاً فی بعض جوانب الدور الأمریکی فی العالم، والتی یمکن تعریفها على أنها انسحاب طوعی أو تخلّی عن القیادة العالمیة والإعتماد على الأحادیة. أدّى تنفیذ هذه الإستراتیجیة إلى زعزعة أسس التحالفات الجیوسیاسیة الأمریکیة الرائدة فی أوروبا (الناتو) وآسیا. إضافةً إلى أنّ سلوک ترامب الشخصی ومیله لأفعال شعبویة یهدد القیم والمعاییر التی بررت وشرعت التفوق الأمریکی.

نظراً إلى کل ما سبق، یعتقد بعض المراقبین أن الولایات المتحدة قد غیّرت بشکل جذری دورها فی العالم خلال رئاسة ترامب، ووصفت هذا التغییر بأنّه خسارة غیر ضروریة ومدمرة للذات. إنّهم لا یرون أن ذلک أدّى إلى خسارة الأصول القیّمة التی سعت الولایات المتحدة للحفاظ علیها وحمایتها لمدة سبعة عقود. تمّ سماع تفسیرات مماثلة لسیاسة ترامب الخارجیة من بکین، مما یعزز الإدّعاء بأنّه مع استمرار ولایته لفترة أخرى، لن تضعف الولایات المتحدة فحسب، ولکن سیتسارع مستوى إنحدارها العام. هذه النظرة طویلة المدى لعواقب سیاسة ترامب الخارجیة حثّت بکین على التکیف مع ضغوط واشنطن وعودتها مجدداً للبیت الأبیض لمدة أربع سنوات، لتسهیل التحدی طویل الأمد مع الولایات المتحدة. لیس فقط فی آسیا ولکن أیضًا على مستوى العالم.

مع کل هذا، إنتهت الإنتخابات وبایدن هو الفائز، لکن السؤال الکبیر بعد الإنتخابات هو ما إذا کان بایدن یستطیع تغییر موقف واشنطن تجاه الصین. هذا السؤال لیس من السهل الإجابة علیه.

الصین إاستثناء نادر، بینما اختلف الدیمقراطیون والجمهوریون حول العدید من القضایا، وواجه الدیمقراطیون (بشکل أو بآخر) جمیع جوانب أجندة السیاسة الخارجیة لترامب. إنتقد الحزبان معاملة بکین لحقوق الأقلّیات الدینیة والعرقیة فی التبت وشینجیانغ، واتخذا نهجًا مشابهًا لهونغ کونغ، ویتوقّعان أن تبذل الحکومة المزید لمواجهة نفوذ بکین العالمی. مثل هذا الإفتراض قد یبدد أی أمل فی حدوث تغییر فی العلاقات الأمریکیة مع الصین بین قادتها، مما یعنی أن فوز بایدن سیشکّل مجموعة أخرى من التحدیات للصین. فی قلب التحدیات المستقبلیة، من المتوقّع أن تحوّل إدارة بایدن ترکیز السیاسة الأمریکیة من النزاعات التجاریة مع الصین إلى قضایا حقوق الإنسان، و ممارسة المزید من الضغط على البلاد واستخدام نفوذ شرکائها للسیطرة على تصرفات بکین فی المنطقة. بالنظر إلى هذا، یجب أن تشعر بکین بخیبة أمل من أی تغییر، ولکن لا یزال هناک مجال لتحسین علاقات الصین مع الولایات المتحدة.

مقارنةً مع ترامب، فإنّ الصورة العامة لبایدن أقل عدوانیة وعقلانیة ویمکن التنبؤ بها. یمکن أن تکون لسمات الشخصیة هذه فوائد لتعزیز العلاقة مع الصین وإنهاء الحرب التجاریة. لکن عندما یصل إلى السلطة، سوف یواجه نفس الإقتصاد الذی واجهه ترامب. ترید نفس الشرکات والصناعات وأسواق العمل والنظام المالی الإستفادة القصوى من الفرص الصینیة المحتملة والدفاع بقوة عن مصالحها. السبب الذی دعا بایدن إلى "جعل أمریکا" سیاسته الإقتصادیة الرئیسیة خلال حملته هو الضغط الهیکلی الذی وضعه على الطاولة بخیار مختلف تمامًا عن خیار "أمریکا أولاً" لترامب. قد تکون هذه إشارة لبکین على أن الصین والولایات المتحدة أمام طریق صعب لعکس بعض تحرکات ترامب التجاریة الکبرى.

 ومع ذلک، رغبة بایدن فی شکل من أشکال التعاون المتعدد الأطراف بشأن القضایا الدولیة یمکن أن یؤمّن فرصة للصین لإیجاد أرضیة مشترکة مع البیت الأبیض، خاصّة وأنّ إدارة ترامب حریصة على المشارکة. فهذا یصب فی مصلحة التعاون الدولی أو قبول المسؤولیة فی المجتمع الدولی. یمکن للولایات المتحدة العمل مع الصین بشأن تغیر المناخ تحت قیادة بایدن، وکلاهما یتحمل مسؤولیة عالمیة. عبرالتاریخ، کانت الولایات المتحدة أکبر مصدر للکربون، والصین لدیها الآن أکبر حصة من إنبعاثات غازات الإحتباس الحراری من حیث الحجم. فی هذا السیاق، من المستحیل أن تلعب الولایات المتحدة دورًا رائدًا عالمیاً دون تعاون الصین. إضافةً إلى حظر عدم انتشار الأسلحة النوویة، ولا سیما استئناف مجموعة برجام والمفاوضات مع کوریا الشمالیة، هناک مجال أکبر للتعاون بین الصین والولایات المتحدة، حتى عندما یکون لدى البلدین خلافات جوهریة حول قضایا أخرى.

فی النظر إلى مستقبل العلاقات الصینیة الأمریکیة من منظور عالمی، یمکن رؤیة بوادر الإستمراریة والتغییر. عندما یتولى بایدن منصبه فی کانون الثانی (ینایر) المقبل، سوف یواجه عالماً بهیکل سیاسی وإقتصادی مختلف عما کان علیه عندما غادر أوباما البیت الأبیض نهایة رئاسته. حصیلة کل هذه التغییرات، من الممکن أن نتوقع أن یقوم بایدن بتحویل العلاقات المتضررة من التوترات الجیوسیاسیة والتجاریة بین الصین والولایات المتحدة إلى فترة من الهدوء وتوفیر فرص لاستئناف الإتصالات رفیعة المستوى وإعادة بناء بعض جوانب الثقة الإستراتیجیة المتبادلة بین البلدین، ولکن أی تغییر سیکون فقط فی شکل ومظهر العلاقة ولن یکون تغییراً جوهریاً.

 "إن المعلومات والآراء الواردة تمثل آراء المؤلفین ولا تعکس وجهة نظر مرکز الدراسات السیاسیة والدولیة"

متن دیدگاه
نظرات کاربران
تاکنون نظری ثبت نشده است