إنزلاق أوروبا نحو التباعد
إنسحاب بریطانیا من الإتحاد الأوروبی وتداعیاته الجیوسیاسیة؛ الإنتشار العالمی لمرض کورونا وسوء إدارة مسؤولی الإتحاد الأوروبی فی مواجهة هذه الأزمة؛ سیاسات ترامب وسلوکه تجاه أوروبا وجهوده لإضعافها بشکل متزاید وتعزیز الأحادیة وإضعاف التعددیة، سیؤدی ذلک إلى تشعب وإنشقاق فی الإتحاد الأوروبی.
إنسحاب بریطانیا من الإتحاد الأوروبی وتداعیاته الجیوسیاسیة؛ الإنتشار العالمی لمرض کورونا وسوء إدارة مسؤولی الإتحاد الأوروبی فی مواجهة هذه الأزمة؛ سیاسات ترامب وسلوکه تجاه أوروبا وجهوده لإضعافها بشکل متزاید وتعزیز الأحادیة وإضعاف التعددیة، سیؤدی ذلک إلى تشعب وإنشقاق فی الإتحاد الأوروبی.
1- إنسحاب بریطانیا من الإتحاد الأوروبی
إنسحبت بریطانیا رسمیًا من الإتحاد الأوروبی فی 30 ینایر 2020. کان لإنسحاب بریطانیا من الإتحاد الأوروبی تأثیر سلبی على المجال السیاسی الأوروبی، مما سیعزز التخلّی عن أوروبا. من المحتمل أن تشاهد أوروبا دولاً أخرى یغادرون الإتحاد الأوروبی فی السنوات القادمة. قبل مغادرة الإتحاد الأوروبی، کانت السیاسة الخارجیة البریطانیة قائمة على ثلاث رکائز: عبر الأطلسیة، وقیادة أوروبا، والتعددیة، وکانت بمثابة جسر بین أمریکا وأوروبا، ولکن مع مغادرة بریطانیا الإتحاد الأوروبی، سیتم إضعاف التعددیة ولن تتمکن البلاد بعد ذلک من إتباع سیاسة التوافق مع الولایات المتحدة والتأثیر على المواقف الأوروبیة. لقد اقتربت بریطانیا من الولایات المتحدة فی السیاسة الخارجیة والأمنیة والإقتصادیة، ودعت إلى تعزیز الناتو وزیادة الوصول إلى الأسواق الأمریکیة. ستترتب على بریکست أیضًا العدید من الآثار الجیوسیاسیة، بما فی ذلک على التطورات الداخلیة والأبعاد السیاسیة والإقتصادیة والأمنیة والدفاعیة والمالیة والطاقة لأوروبا. ستکون آثار بریکست لجمهوریة أیرلندا وأیرلندا الشمالیة واسکتلندا سلبیة. سیصبح الإتحاد الأوروبی أصغر وأضعف بدون بریطانیا، وإذا فشل فی إیجاد بدیل مناسب (روسیا) لبریطانیا للإنضمام إلى الإتحاد، فسوف یتضاءل نفوذه على الساحة الدولیة.
2- تفشی وبائی وفیروسی عالمی
بعد انتشار فیروس کوفید 19 فی الصین فی أواخر دیسمبر 2019 وبعد ذلک فی عدد من البلدان الآسیویة، ظهرت أولى حالات الإصابة بمرض کورونا فی أوروبا فی منتصف فبرایر 2020 وقد دخلت هذه القارة أیضًا فی أزمة. منذ بدایة مارس، قامت الدول الأعضاء فی الإتحاد الأوروبی، بدلاً من استخدام تجارب الدول الأخرى والتدابیر والإجراءات المنسقة والمشترکة لمکافحة مرض کورونا، من خلال إغلاق حدودهم وضوابطهم الداخلیة وغیرها من الإجراءات الأحادیة والقومیة منعوا المعدات الطبیة من الوصول إلى الدول الأعضاء الأخرى. کما مسؤولو الإتحاد الأوروبی، مع المماطلة والإهمال، تسببوا بجعل أوروبا واحدة من أکبر حالات تفشی کورونا فی العالم الیوم. حتى یقع الکثیر من الناس فی هذه القارة ضحیة لهذا الوباء کل یوم. استناداً إلى مصادر عالمیة موثوقة؛ تمتلک إیطالیا وإسبانیا وفرنسا أعلى معدلات الإصابة بالمرض والوفیات فی أوروبا. تشعر إیطالیا وإسبانیا أنه لا الإتحاد الأوروبی ولا شرکاؤهما الأوروبیون قد دعماهما. یعتقد 60٪ من الإیطالیین أن الإتحاد الأوروبی لم یساعدهم على الإطلاق.
فرنسا فی وضع مشابه لبریطانیا. على الرغم من نجاح ألمانیا فی إدارة الأزمة بسبب اقتصادها القوی، إلا أن بروکسل وبعض شرکائها الأوروبیین انتقدوها بسبب نقص المساعدة المتوقعة. إن تصریحات وسلوکیات وتصرفات مسؤولی الإتحاد الأوروبی ودول الأعضاء فی مواجهة هذا الوباء تظهر أن آثار هذه الظاهرة على الإتحاد کانت واسعة للغایة ولا یمکن تصورها. حتى الآن، کشف هذا الفیروس القبیح بشکل جمیل الوجه المکشوف وغیر مقنع للعلاقات الخارجیة والإقتصاد والتجارة والثقافة والصناعة والصحة ووسائل الإعلام ونظام المعلومات، والأهم من ذلک، مستوى الأخلاق والتضامن فی هذا الإتحاد. إن تصریحات رئیس المفوضیة الأوروبیة ونشرها فی الفضاء الإلکترونی تظهر قلقه العمیق بشأن السلوک المضلل والأداء العنیف واللاإنسانی للشرکات والدول الأعضاء فی الإتحاد الأوروبی. یعد وباء کورونا ثانی أکبر أزمة اجتاحت الإتحاد فی مثل هذا الوقت القصیر منذ أن غادرت بریطانیا الکتلة وشکلت تحدیًا صحیًا کبیرًا له.
بسبب الإجراءات الإحادیة والسلوک القومی لعدد من البلدان فی هذه المجموعة، لیس فقط أن التضامن قد تضرر بشدة فی أوروبا وتم التشکیک فی وحدة هذه البلدان تمامًا، ولکن تآکلت الثقة بینهم أیضًا. بسبب الآثار السلبیة لوباء کورونا على مختلف جوانب الحیاة البشریة، وتعتبر أیضًا أکبر أزمة فی أوروبا منذ الحرب العالمیة الثانیة، فقد تمکنت من أن تؤدی إلى الإختلاف والإنقسام فی هذا الإتحاد وهزیمة التعددیة. إن استمرار وجود التحالفات على الرغم من وباء کورونا هو الآن موضع تساؤل خطیر، حیث یثیرون بعض المنظرین احتمالیة عالیة لإعادة ظهور القومیة وتعزیز الحکومات الوطنیة، إنهم یعتقدون أن أزمة فیروس کورونا ستقود العالم إلى الإستحالة ونظام جدید آخر.
لا یعتبر ترامب أوروبا حلیفاَ بل منافساَ جاداَ للولایات المتحدة. لذلک، تبذل جهدًا کبیراَ لإخراج هذا المنافس من التطورات الدولیة والعالمیة. دعم ترامب بشکل علنی لخروج بریطانیا من الإتحاد الأوروبی، وتقسیمها إلى أوروبا الجدیدة والقدیمة، ومحاولة لإنهیارها، الإنسحاب من خطة العمل الشاملة المشترکة وهو إنجاز هام للإتحاد الأوروبی فی سیاسته الخارجیة والأمنیة المشترکة، وتجاهل الأمن الأوروبی، الإنسحاب من عدد من الإتفاقیات والمعاهدات الدولیة، تعزیز الأحادیة وإضعاف التعددیة، زیادة النزاعات التجاریة، تطبیق سیاسة العقوبات على دول العالم وأثرها على الإقتصاد والتجارة الأوروبیة، خلق صدعًا فی العلاقات الأوروبیة الأمریکیة. لقد منعت حاجة أوروبا للولایات المتحدة من لعب دورها بشکل مستقل، بمعنى آخر، فقدت أوروبا هویتها المستقلة. إذا فاز ترامب بالجولة الثانیة من الإنتخابات الرئاسیة الأمریکیة، فسوف تتسارع عملیة الإختلاف فی أوروبا.
4- إضعاف التعددیة وتعزیز الأحادیة
کان لإنتشار فیروس کورونا تأثیر عمیق على التعددیة والعولمة. لا ترى حکومة الولایات المتحدة حالیًا العولمة على أنها تصب فی مصلحتها الوطنیة وتؤکد على القومیة الأمریکیة فی أبعادها المختلفة. إضعاف الولایات المتحدة للمؤسسات الدولیة، بما فی ذلک منظمة الصحة العالمیة فی أیام الإنتشار العالمی لمرض کورونا؛ موقف ترامب تجاه أوروبا وجهوده لزیادة إضعاف الإتحاد الأوروبی، وتقسیم أوروبا إلى الجدید والقدیم وإقامة علاقات ثنائیة مع دول أوروبیة منفصلة عن الإتحاد الأوروبی، وتعزیز الأحادیة وإضعاف تعددیة الأطراف سیکون لها آثار عمیقة على مستقبل هذه المجموعة. کما أظهرت أزمة فیروس کورونا أن الأحادیة متفوقة على التعددیة، وأن القومیة فی أوروبا قد تم تعزیزها وإضعاف الإقلیمیة. وبالنظر إلى أن الحقائق حاسمة فی النظام الدولی؛ لذلک، انسحاب بریطانیا من الإتحاد الأوروبی والآثار الجیوسیاسیة الکبیرة التی نتجت عنه، وباء کورونا وانتشاره على نطاق واسع فی أوروبا، عدم کفاءة مؤسسات الإتحاد الأوروبی والإجراءات الفردیة وغیر المنسقة للدول الأعضاء، والسیاسات الأمریکیة الجدیدة تجاه أوروبا، کل ذلک یشیر إلى ضعف التعددیة. إذا فشل الإتحاد الأوروبی فی التغلب على هذه الأزمات، فسوف نشهد المزید من التباعد فی أوروبا.
"إن المعلومات والآراء الواردة تمثل آراء المؤلفین ولا تعکس وجهة نظر مرکز الدراسات السیاسیة والدولیة"