Ar

En

Fa


إنسحاب الناتو من أفغانستان، النهایة الحتمیة

تم توقیع إتّفاق السلام المثیر للجدل والمطوّل لأفغانستان أخیرًا فی الدوحة، قطر، فی ۲۰ فبرایر ۲۰۲۰. ترکّز مذکرة التفاهم بما یسمى بـ "إتّفاق إستعادة السلام الشامل لأفغانستان" على أربع قضایا رئیسیة ؛ منع إستخدام الأراضی الأفغانیة ضد أمن الولایات المتحدة وحلفائها، الإعلان عن الجدول الزمنی لإنسحاب جمیع القوات الأجنبیة من أفغانستان، إستئناف المحادثات بین الأفغان فی ۱۰ مارس ۲۰۲۰.
ذو الحجة 1441
حسین ابراهیم‏ خانی

تم توقیع إتّفاق السلام المثیر للجدل والمطوّل لأفغانستان أخیرًا فی الدوحة، قطر، فی 20 فبرایر 2020. ترکّز مذکرة التفاهم بما یسمى بـ "إتّفاق إستعادة السلام الشامل لأفغانستان" على أربع قضایا رئیسیة ؛ منع إستخدام الأراضی الأفغانیة ضد أمن الولایات المتحدة وحلفائها، الإعلان عن الجدول الزمنی لإنسحاب جمیع القوات الأجنبیة من أفغانستان، إستئناف المحادثات بین الأفغان فی 10 مارس 2020. مع إدراج وقف إطلاق النار الدائم والشامل على جدول الأعمال. یعد إلتزام الولایات المتحدة بسحب جمیع قواتها من أفغانستان وفقًا لجدول زمنی مدته 14 شهرًا، بالإضافة إلى إطلاق سراح 5000 سجین من طالبان و 1000 من سجناء الحکومة الأفغانیة قبل بدء المحادثات بین الأفغان، من بین النقاط الرئیسیة فی الإتّفاقیة.

إتّفاق السلام هذا، مع إعطاء الأولویة للإنسحاب المقرر للقوات الأمریکیة من أفغانستان غیر قادر على حل قضایا وقف إطلاق النار والحوار بین الأفغان والقیام بدور الحکومة الأفغانیة الحالیة کمکونات رئیسیة للسلام الدائم فی البلد الذی مزقته الحرب. وقد تمّت إحالة هذه القضایا الرئیسیة إلى المستقبل فی ظل ظروف غیر مؤکدة، وهی، مع مرور الوقت، ستکون مرغوبة لحرکة طالبان. إن انسحاب القوات الأمریکیة وقوات الناتو الأخرى من أفغانستان هو الجزء الوحید من إتّفاقیة السلام التی تم تنفیذها بالکامل حتى الآن. قد خفّضت الولایات المتحدة الأمریکیة وجودها العسکری من 13000 إلى 8600 وانسحبت من خمس قواعد عسکریة حتى قبل الموعد المحدد بـ 135 یومًا.

مع انسحاب 4100 جندی أمریکی آخرین والذی من المقرر أن یتم فی خریف هذا العام، سیتم تخفیض العدد إلى 4500 جندی وبالنظر إلى وقف العملیات الهجومیة الأمریکیة ضد طالبان، فإن ذلک سیقوض بلا شک مدى دعم هذه القوات للجیش الوطنی الأفغانی فی مواجهة تقدم طالبان. مع الأخذ فی الإعتبار أنّ طالبان تجنبت أیضًا استهداف القوات الأمریکیة منذ توقیع إتفاقیة السلام وبدلاً من ذلک، کثّفت هجماتها على قوات الحکومة الأفغانیة وقصف أهداف مدنیة فی الغالب.

إنّ الخلاف بین الحکومة الأفغانیة والولایات المتحدة حول طبیعة ومضمون إتفاقیة السلام، على وجه الخصوص، والإفراج عن سجناء طالبان کخطة تمهیدیة للحوار بین الأفغان، إلى جانب الجهود التی تستغرق وقتاَ طویلاَ لحل المأزِق والنزاع الإنتخابی بین غنی وعبد الله أخرّ التنفیذ الکامل لإتفاق السلام. حتى الآن، تم تبادل 3000 فقط من أصل 5000 سجین من طالبان و 240 من أصل 1000 سجین حکومی وفی غیاب التبادل الکامل للسجناء ، لن تضطر طالبان للعودة إلى طاولة المفاوضات.

من الجدیر بالذکر أنّه تمّ إنشاء طالبان عام 1994 وما تلاها من تأسیس الإمارة الإسلامیة عام 1996 بمساعدة الولایات المتحدة الأمریکیة وهذا لا یمکن إنکاره. وعلى الرغم من استقرار الحکومة الشرعیة لبرهان الدین ربانی فی کابول، سمحت واشنطن بإنشاء مکتب غیر رسمی لطالبان فی الولایات المتحدة والذی کان مفتوحاَ حتى الإطاحة بحکومة طالبان فی عام 2001. إدارة کلینتون رغم انتقادها للحکومة الإیدیولوجیة لطالبان ومعاملتها العنیفة للشعب الأفغانی لکنها وجدت منظمة مستقرة مثل طالبان والتی لها علاقات وثیقة مع باکستان، فی الوقت نفسه، إنخرطت فی صراع إستراتیجی وأیدیولوجی مع إیران کجار لأفغانستان، فی امتثال کامل لسیاستها الإقلیمیة ولم تعتبر أفغانستان التی تحکمها طالبان إنحرافاَ کبیراَ عن خططها الإقلیمیة ومصالحها العامة.

بالرغم من أن التطورات اللاحقة، مثل القبول الکامل للقاعدة وغیرها من الجماعات الجهادیة غیر الأفغانیة کضیف على الشعب الأفغانی، ورفض الملا عمر طرد وتسلیم عناصر القاعدة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، فقد کانت نهایة تفاعل الولایات المتحدة مع طالبان ونقطة بدایة لأطول نزاع عسکری أمریکی خارج حدودها.

خلال 19 عامًا من الوجود العسکری الأمریکی المکثف فی أفغانستان وعلى الرغم من الجهود الشاملة للقضاء على طالبان، إستمرت الحرکة فی البقاء مع اتجاه متزاید من الحرکات المسلحة ومن خلال السیطرة بنجاح على أجزاء کبیرة من البلاد، أثبتت نفسها کلاعب رئیسی لا یمکن إنکاره فی أی مبادرة سلام فی أفغانستان. أیضاَ، الوضع غیر المواتی فی أفغانستان وعدم وجود أسس مشجعة لحکومة کابول الحالیة لمواجهة التحدیات الحقیقیة التی تهدد وجودها دون الإعتماد على الدعم المباشر من الولایات المتحدة ترک واشنطن بخیارات محدودة، بما فی ذلک التصالح مع الحقائق الموجودة  وإنهاء المحاولات الفاشلة بأقل قدر من الضرر والعواقب.

إن الأهداف الرئیسیة المعلنة للتدخل العسکری الأمریکی فی أفغانستان هی تدمیر القاعدة والجماعات الإرهابیة الأخرى (التی تم تحقیقها إلى حد کبیر) وأیضاَ المساعدة فی تحویل طبیعة الحکومة الأفغانیة إلى دولة - قومیة حدیثة لدیها القدرة على توسیع سیادتها على کامل أراضی البلاد، وبالتالی تمنع إعادة إنشاء مکان للإرهاب الدولی.

من وجهة نظر صانعی السیاسة الأمریکیین، لا تسعى طالبان لأی مهمة عالمیة أو عبر الحدود، إلا أنها تطالب بسیطرتها الکاملة على أفغانستان وانسحاب جمیع القوات الأجنبیة. خلافاً لداعش والقاعدة، فإنها لا تلتزم، على الأقل علناَ، بالقتال من أجل إقامة دولة إسلامیة خارج الحدود الجغرافیة لأفغانستان. یعتقد صانعوا السیاسة هؤلاء أن طالبان تعلمت درساً قیّماً من التجربة الکارثیة فی التعامل مع القاعدة والجماعات الإرهابیة المماثلة. وهی لا تؤمن بالحصول على فائدة کبیرة من قبول داعش فی أفغانستان لأنها مع أی مبرر، تعتبر خصمًا ومنافسًا یرید المزید من المناطق تحت سیطرته ونفوذه.

مع ذلک، وعلى الرغم من فشل واشنطن فی إقامة حکومة ذات سیادة، متفاعلة، ومنتخبة من قبلها فی کابول، لکن وفقًا لصانعی السیاسة الأمیریکیین ، فإنّ هدفهم الأکثر أهمیة، هو ضمان أن تکون أفغانستان أقل عرضة للإرهاب الدولی، یمکن تحقیقه من خلال الدخول فی تسویة نهائیة مع طالبان کعدوها السابق. لکن هنا، التطورات القادمة المتعلقة بمصیر الشعب الأفغانی، والمجتمع المدنی، والمؤسسات الدیمقراطیة العاملة، والتزام طالبان بمشارکة الجمیع فی السلطة، کلّها قضایا ثانویة ستطغى علیها المصالح السیاسیة للرئیس دونالد ترامب فی انسحاب القوات الأمریکیة.

"إن المعلومات والآراء الواردة تمثل آراء المؤلفین ولا تعکس وجهة نظر مرکز الدراسات السیاسیة والدولیة"

متن دیدگاه
نظرات کاربران
تاکنون نظری ثبت نشده است